عندما تلتقي الضحية بالجلاد … في امستردام

img

sinop-prison-by-ali-gemal-ergelen-fotopediaرجلان فرّا من سوريا، واحد منهما تعرض للتعذيب، والآخر من المفترض أنه تعرض للتعذيب. الضحية نجا بنفسه إلى أوروبا، وهو على قناعة أنه تعرف على جلاده هنا. كلاهما قد تقدم بطلب للجوء.

إنهم يأتون دائما في الليل، ينتظر وسام معذبيه لمدة ثلاثة أيام في غرفة تحت الأرض السورية، هناك يجلس معه ثلاثون سجيناً، أصغرهم مازالوا تقريباً أطفالاً، وأكبرهم قد بلغوا أكثر من 70 عاماً. التحدث ممنوع، والذي يفعل ذلك يتم اختياره أولاً. لكن مشكلة وسام هي: أنه لا يستطيع أن يبقى صامتاً.

بسبب ذلك يتم نقل وسام إلى زنزانة أخرى، هنالك يستلقي على الأرضية الباردة، عارياً تقريباً، مكبل اليدين ومعصوب العينين. الحراس يقومون بجلده بالكابلات وغمره بالماء المثلج وتعذيبه بالهراوات الكهربائية. أحد الجلادين يصرخ: “إرهابيون!”. هنالك الكثير من الصراخ هنا. ولكن وسام يميز هذا الصوت بوضوح: “هذا هو حسين” جاره السابق، ثم يفقد الوعي.

بعد ثمانية أشهر يجلس وسام في مكان ما في أوروبا أمام طاولة من نوع (إيكيا) ملبسة بقشور خشب الصنوبر الأحمر، يشرب الشاي، وهو المشروب الوطني في سوريا، إنه يستحضر بعضاً من الوطن في المنفى الأجنبي. وسام قد تمكن من الخروج من سجون التعذيب في سوريا فراراً إلى بر الأمان في أوروبا. لديه على هاتفه المحمول صور لشخص كان وسام قد فرَّ قبله من سوريا. لقد كانت تلك الصور لحسين (و)، وهو جلاده المفترض، يقف فخوراً بزيه العسكري ويحمل جهاز اللاسلكي بين مجموعة من زملائه في مكتب في سوريا. وصورة له وهو يبتسم مرتدياً قميصاً أبيض وهو يقف على الرصيف مرهقاً يتنفس الصعداء مع أصدقائه في أمستردام. لقد شارك حسين محطات طريق نزوحه من خلال حسابه على فيسبوك. الجلاد يطمح إلى اللجوء في أوروبا، تماماً كضحيته، الاثنان فصلهما على الطريق فقط بضعة مئات من الكيلومترات.

مئات الآلاف من السوريين كانوا قد وصلوا إلى أوروبا. كم عدد الذين سينزحون أيضاً، لا أحد يعلم ذلك. أغلبهم يهربون من الفظاعات التي يرتكبها نظام الأسد. لا يقتصر الباحثون عن الحماية عن ضحايا نظام الأسد، ولكن في كثير من الأحيان القتلة أيضاً. المكتب الاتحادي لمكافحة الجرائم (BKA) يحدد في الوقت الحالي وفقا لمعلومات (فيلت أم زونتاغ) عشرة قرارات تتعلق باللاجئين السوريين. تتموضع شكوك بهؤلاء الأشخاص حول إمكانية انتمائهم لمنظمات إرهابية أو مشاركتهم بجرائم حرب. عموما هناك مئات الملاحظات حول هذا الشأن تصل إلى مكتب (BKA).

الشبيحة هي الميليشيات سيئة السمعة التي ساعدت النظام في قمع الثورة منذ بدايتها بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين. لقد قاموا بهذه الأعمال القذرة نيابة عن الرئيس السوري بشار الأسد الذي حاول بيأس متزايد البقاء في السلطة. إذا كان وسام على حق، فحسين هو واحد من آلاف من الشبيحة وأعضاء الميليشيات الموالية كذلك. هؤلاء هم المسؤولون عن الاعتقالات الجماعية والتعذيب وجرائم القتل في سوريا. حسين ينحدر من قرية صغيرة إلى الشمال من حمص (السلميّة) وهي التي لا تزال تحت سيطرة النظام. لقد قال وسام وأربعة شهود آخرين تحدثت معهم (فيلت أم زونتاغ) بشكل مستقل أن حسين متهم بجريمة يجب أن يحاكم عليها، وهي الاعتداء الممنهج على المعتقلين.

قبل أن يوضع وسام في القبو التابع للشبيحة، كان قد درس في دمشق العلوم السياسية والاقتصاد والتاريخ. لقد استأجر شقة في العاصمة دمشق مع أصدقاء طفولته حيث استقبلوا الكثير من الزوار من بلدتهم. اتصل به ابن عم له حيث أخبره أن هناك ضيفاً من (السلميّة) يبحث عن مكان للنوم لثلاثة أيام في دمشق، واستفسر حول اذا ما كان هنالك سرير شاغر في شقتهم المشتركة، هكذا تعرف وسام على حسين، في الصباح كان يحضر لضيفه القهوة، وبعد ثلاثة أيام ودعه بحرارة، ليعود ويلتقي به لاحقاً كجلاد في سجن التعذيب.

عندما بدأ السوريون ثورتهم ضد الدكتاتور بشار الأسد في آذار/مارس نزل وسام معهم إلى الشارع، كان يرسم شعارات على الجدران ويغني أغاني الثورة، وقد ظن للحظة أن الثوار استطاعوا الحصول على شيء من الديمقراطية في سوريا، ثم عاد ليشعر بعنف الدولة البوليسية في سوريا، لقد قادته احتجاجاته إلى السجن أربع مرات، في كل مرة كان يتم تعذيبه يزعم ضلوع حسين في ذلك.

الآلاف من الشباب قد اختفوا في السجون السورية لأسباب سياسية، ولكن سُمِح لوسام الخروج مرة أخرى. وعندما علم أن الشرطة السرية عادت لملاحقته قرر الخروج من سوريا. استعان بمهرب لإخراجه إلى تركيا. واستغرقت رحلته إلى اليونان عبر بحر إيجة ساعة في القارب. ومن هناك انطلق مشياً على الأقدام ولكنه استعان بالقطارات في بعض الأحيان. ألقِي القبض عليه في صربيا لثلاث مرات وذلك عندما كان يحاول العبور إلى المجر. وانهال عليه ضباط الشرطة بالضرب أثناء عبوره إلى النمسا. الآن يعلم أن معذبه حسين اتخذ طريق اللجوء نفسه. كلاهما وصلا كلاجئين إلى ميونخ.

يعيش حسين في مركز للاجئين في أمستردام، هو هنالك منذ عدة أيام يعيش مع 70 لاجئاً أخرين في الطابق نفسه. صاحب ال 32 عاماً يظهر اليوم بلحيته المشذبة القصيرة يرتدي الجينز والكنزة الغامقة والجزمة البنية من الجلد الفاخر، ذلك المظهر الأنيق الذي لا يتناسب مطلقا مع صورة اللاجئ السوري الذي كان في طريق الهروب لعدة أسابيع. ماذا يفعل مثل هذا الشخص في مأوى اللاجئين، هذا ما يسأله القاطنون معه ويصرخون عليه، وهو يقف عند مبنى المكاتب التي تم تحويلها إلى مأوى للاجئين (شبيح شبيح نحن نعرف من أنت ،لا يمكنك إخفاء ذلك)

حسين نفى كل ذلك فقال: “كاذبون، إن من يتهمونني هم كلهم من الإسلاميين المتطرفين، لقد كنت أصيد الأرانب، لقد لجأت إلى أوروبا هرباً من تهديد الدولة الإسلامية والقاعدة”. وحول صوره التي يظهر بها بالزي العسكري مع جهاز الاتصال اللاسلكي يقول: “لقد كنت أصيد الأرانب، وهذا شيء طبيعي في منطقتنا”. “إذا كان هؤلاء الكاذبون يريدون الذهاب للمحكمة، فليفعلوا ذلك بهدوء”.

حتى تاريخ حسين كان تاريخ حرب، فقبل توجهه إلى الميليشيا كان قد توقف عن دراسة التاريخ في دمشق، وعمل في تجارة السيارات وسمسرة العقارات. عندما اندلعت الثورة عاد إلى قريته حيث انضم إلى قوات الدفاع الوطني في وقت مبكر من عام 2012 وهي وحدة شبه عسكرية مؤلفة من المتطوعين تم تأسيسها في مطلع عام 2012 لقمع المعارضة المتزايدة في البلاد. ولأن حسين لم يكن يرغب أن يكون على جبهة القتال، فقد تطوع لرصد المعارضة في بلدته (السلميّة).

هنالك التقى سالم بجلاده، وهو الشاب السوري الذي أصبح اليوم آمنا في منفاه في شمال أوروبا. حسين الذي التقى به في وقت سابق، ففي ذلك الوقت من عام 2012 اقتحم حسين منزله مع 20 رجلاً آخرين، حيث يقول: “كسروا الباب الأمامي وقاموا بمهاجمتنا وضربنا على الفور”. وعندما حاول هو وشقيقه مقاومتهم، قام الغزاة بتوجيه أسلحتهم نحو رأسه. يقول سالم: “حينها كان قد قُتِل شبيح من زملائهم، وكانوا يبحثون عن الجاني”. فلم يكن أمامهم أفضل من مهاجمة أسرة عرفت بموقفها الحاسم ضد نظام الأسد. يقول سالم إنه تعرض للتعذيب لعشرة أيام طويلة، وشقيقه لمدة شهر كامل، وكان كلاهما يتم تعذيبهما وهما معصوبا العينين، ومع ذلك قد تعرفا على حسين.

سالم يقول إنه يريد الانتقام من الظلم الذي تعرض له مشيراً إلى أن حسين سوف يعاقب، ولكن ليس بالإعدام بل يجب أن يعاقب على أفعاله من خلال مثوله أمام محكمة عادلة”.

لكن جلاد سليم ووسام لديه خطط أخرى، فهو يريد التقدم للحصول على حق اللجوء في هولندا وبناء حياة جديدة، ومن ثم لم الشمل بزوجته وأولاده. إذا نجح في تقديم نفسه أمام السلطات كلاجئ حرب، ممكن أن ينجح في ذلك، فمجيئه من سوريا يعطيه فرصة جيدة. ومع ذلك يمكن أن يتعرض للمحاكمة عندما يتم تصنيف أفعال التعذيب التي قام بها باعتبارها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، حيث يسقط حق اللجوء عن مجرمي الحرب. في الواقع، إن السلطة القضائية في الدولة التي وقعت فيها الجريمة هي المسؤولة عنها، ولكن من غير المرجح أن تتم محاكمة حسين من قبل محكمة سورية، بيد أن هولندا قد وقعت على اتفاقية مكافحة التعذيب التابعة للأمم المتحدة. الادعاءات ضد حسين هنا تكون باعتبار ما قام به جريمة جنائية. يجب أن تتدخل محكمة هولندية ضده، فحينها سيثبت لحسين (و) أن أوروبا الآمنة بالنسبة له ليست الملجأ الآمن الذي كان يتوقعه.

Comments

comments

الكاتب المحرر

المحرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة